الفيض الكاشاني

214

الأصول الأصيلة ( طبع كنگره فيض )

اجتهادهم ، فكانوا إذا طلبوهم هربوا وأعرضوا ، واضطرّ الخلفاء إلي الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات ، فرأي أهل تلك الأعصار عزّ العلماء وإقبال عليهم مع إعراضهم عنهم ، فإشرأبّوا ( « 1 » ) لطلب العلم توصّلًا إلي نيل العزّ ( « 2 » ) ودرك الجاه من قبل الولاة ، فأكبّوا علي علم الفتاوي ، وعرضوا أنفسهم علي الولاة ، وتعرّفوا إليهم ، وطلبوا الولايات والصلات منهم ، فمنهم من حرم ومنهم من أنجح ، ومن أنجح لم يخل عن ذلّ الطلب ومهانة الابتذال ، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين وبعد أن كانوا أعزّةٌ بالإعراض عن السلاطين أذلّةً بالإقبال عليهم ، إلّا من وفّقه الله في كلّ عصر من علماء دينه . ثمّ ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من سمع مقالات الناس وقواعد العقائد ، ومالت نفسه إلي سماع الحجج فيها ، فعلمت ( « 3 » ) رغبته إلي المناظرة والمجادلة في الكلام ، فانكبّ الناس علي علم الكلام ، وأكثروا فيها التصانيف ، ورتّبوا فيها طرق المجادلات ، واستخرجوا فنون المناقضات والمقالات ، وزعموا أنّ غرضهم الذبّ عن دين الله والنضال عن السنّة وقمع البدعة . ثمّ ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام ، وفتح باب المناظرة فيه ، لما تولّد من فتح بابه التبغّضات والخصومات الناشئة من اللِدَاد المفضية إلي تخريب البلاد ، ومالت نفسه إلي المناظرة في الفقه وبيان الأولي من مذهب المجتهدين ، فترك الناس الكلام وفنون العلم ، وأقبلوا علي المسائل الخلافيّة ، وزعموا أنّ

--> ( 1 ) . إشرأبّ للشئ وإليه : مدّ عنقه لينظره . ( 2 ) . في ج : الغرور . ( 3 ) . في ب : فغلبت .